أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

474

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقول الآخر : 862 - فظلنا هنالك في نعمة * وكلّ اللّذاذة غير الرّفث « 1 » ولا دليل فيه لاحتمال إرادة مقدمات الجماع كالمداعبة والقبلة ، وأنشد ابن عباس وهو محرم : 863 - وهنّ يمشين بنا هميسا * إن يصدق الطّير ننك لميسا « 2 » فقيل له : رفثت ، فقال : إنما الرّفث عند النساء . قوله : كُنْتُمْ تَخْتانُونَ في محلّ رفع خبر لأنّ . و « تختانون » في محلّ نصب خبر لكان . قال أبو البقاء : « وكنتم هنا لفظها لفظ الماضي ومعناها المضيّ أيضا ، والمعنى : أن الاختيان كان يقع منهم فتاب عليهم منه ، وقيل : إنه أراد الاختيان في الاستقبال ، وذكر « كان » ليحكي بها الحال كما تقول : إن فعلت كنت ظالما » وفي هذا الكلام نظر لا يخفى . و « تختانون » تفتعلون من الخيانة ، وعين الخيانة واو لقولهم : خان يخون ، وفي الجمع : خونة ، يقال : خان يخون خونا وخيانة ، وهي ضدّ الأمانة ، وتخوّنت الشيء تنقّصته ، قال زهير : 864 - بآرزة الفقارة لم يخنها * قطاف في الرّكاب ولا خلاء « 3 » وقال الزمخشري : « والاختيان : من الخيانة كالاكتساب من الكسب ، فيه زيادة وشدّة » يعني من حيث إنّ الزيادة في اللفظ تنبئ عن زيادة في المعنى ، كما قدّمه في قوله الرحمن الرحيم . وقيل هنا : تختانون أنفسكم أي : تتعهدونها بإتيان النساء ، وهذا يكون بمعنى التخويل ، يقال : تخوّنه وتخوّله بالنون واللام ، بمعنى تعهّده ، إلا أنّ النون بدل من اللام ، لأنه باللام أشهر . و « علم » إن كانت المتعدية لواحد بمعنى عرف ، فتكون « أنّ » وما في حيّزها سادّة مسدّ مفعول واحد ، وإن كانت المتعدية لاثنين كانت سادة مسدّ المفعولين على رأي سيبويه ومسدّ أحدهما ، والآخر محذوف على مذهب الأخفش . وقوله : هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ لا محلّ له من الإعراب ، لأنه بيان للإحلال فهو استئناف وتفسير . وقدّم قوله : « هنّ لباس لكم » على « وأنتم لباس لهنّ » تنبيها على ظهور احتياج الرجل للمرأة وعدم صبره عنها ، ولأنّه هو البادئ بطلب ذلك ، وكنى باللباس عن شدّة المخالطة كقوله - هو النابغة الجعدي - : 865 - إذا ما الضّجيع ثنى جيدها * تثنّت عليه فكانت لباسا « 4 » وفيها أيضا : 866 - لبست أناسا فأفنيتهم * وأفنيت بعد أناس أناسا « 5 »

--> ( 1 ) البيت من شواهد البحر ( 2 / 28 ) . ( 2 ) البيت ذكره ابن منظور في اللسان م « رفث » ، الدرر ( 1 / 199 ) ، الكشاف ( 1 / 230 ) . ( 3 ) البيت في ديوانه ( 15 ) ، وانظر الخصائص ( 2 / 151 ) ، اللسان « خلاء » . ( 4 ) انظر ديوانه ( 81 ) ، القرطبي ( 2 / 211 ) ، الكشاف ( 1 / 230 ) ، مشكل القرآن ( 142 ) . ( 5 ) انظر اللسان م « لبس » ، والقرطبي ( 2 / 211 ) ، تهذيب -